المنجي بوسنينة

456

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

عنها متحسّرا على ما خلف وراءه من علومهم ، وجودة آدابهم ، ثم نزل بفاس ، وأخذ عن بعض شيوخها ، ثم نزل بزاوية « خلفون » بنواحي « خنيفرة » وأقام بها عند صديقه الحسن بن مسعود اليوسي الذي يقدره التستاوتي ، ويعتبره قدوته علما وأدبا وسلوكا ، إلى درجة أنه زوّج اليوسي إحدى بناته طمعا في افتداء رقبته من النار ، وعندما أجبر اليوسي على الرحيل من زاوية « خلفون » ، من قبل السلطان إسماعيل ، تألم التستاوتي لهذا الحدث ، ورحل عن « خلفون » ، وظل يرحل من مكان إلى مكان إلى أن وصل إلى « سلا » ثم « شالة » [ الطريبق ، أدب التستاوتي ، 2 / 35 - 79 ؛ شهبون ، شعر التستاوتي - التقديم : 71 - 77 ] . عاصر التستاوتي فترة دقيقة من تاريخ المغرب ، وتفاعل مع أحداثها السياسية ، فترة بدأت بتقلص ظل الدولة السعدية ، وبروز زعامات تتحارب في ما بينها من أجل الاستئثار بالحكم ، بين العلويين والزعامات السياسية الأخرى ، وبين أفراد الأسرة العلوية نفسها ، وكان موقف الحاكمين من الطبقة المثقفة - خصوصا في العهد الإسماعيلي - يتسم بالحيطة والحذر وعدم الاطمئنان ، فكل من لاحت عليه مخايل الزعامة السياسية أو الصوفية تعرض للمطاردة أو السجن أو الاغتيال ، خاصة إذا كانت له صلة بالزعامات والأطراف المناوئة لوجود الحكم أو لسياسته . من هنا جاءت محنة التستاوتي التي بدأت سنة 1095 ه / 1684 م حين أمر بالشخوص الأول للحضرة السلطانية ، وتستمر المحنة إلى حين اعتقاله سنة 1104 ه / 1693 م ليقضي سنتين في حبس فاس الجديد ، بأمر من السلطان إسماعيل ، وبعد خروجه من السجن أمر بالإقامة بمكناس حتى يظل تحت سمع وبصر السلطات . بدأ مسلسل المحنة بعد أن أصدر التستاوتي « الرسالة المهدوية » التي ينتقد فيها الوضع ، ويحدد الخطوط العريضة للبرنامج السياسي الذي يقترحه للخروج من الأزمة ، ويعتبر أن المهدي المنتظر ، هو الذي سيقوم بالتنفيذ ، محددا زمان ظهوره ومكانه ، وفسّر عدم ذكر السلطان في الرسالة بأنه إنكار لشرعيته ، وعزم على القيام عليه تحت غطاء المهدوية . [ الطريبق ، أدب التستاوتي ، 1 / 114 - 138 ؛ التستاوتي ، شعر التستاوتي - التقديم : 53 - 57 ، 85 - 78 ؛ الترغي ، حركة الأدب ، 1 / 23 - 24 ] . استقطبت مؤسسة الزاوية - في أواخر عهد السعديين - النخبة الموجهة في المجتمع المغربي ، بعد أن استحكمت جذورها فيه ، وأصبح لها نفوذ روحي تنازع به السلطة ، فانخرط التستاوتي في نشاط الزاوية الناصرية بإرشاد من صفيه اليوسي ، الذي كان صلة وصل بينه وبين شيخها محمد بن ناصر الدرعي ، بدأ الاتصال بينهما بالمراسلة ، ثم وفد على الشيخ في زاويته ب « تمكروت » مرتين : الأولى عام 1081 ه / 1670 م والثانية عام 1084 ه / 1673 م . وخلال كل مراسلة ، وأثناء كل وفادة ، كان يكاشف الشيخ ، ويشهده على حقيقة نفسه ، معلنا أمامه التوبة حتى يتمكن من الدخول في زمرته ، وكان ملحاحا في خطابه للشيخ وذويه ، حريصا على